الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
131
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
الجمل وبطنها كبطن الحية ، تطير بأربعة أجنحة وتأكل بلسانه ، فتبارك اللّه ما أحسنها وأحسن ما فيها ، انهام طعام طاهر حيا وميتا ، تجدب أقواما وتخصب آخرين - يعني إذا دخلت البوادي والفيافي ومواضع الرمال فهي خصب لهم وميرة ، وإذا حلت بمادي الزرع والأشجار فهي جدب لأنها تأتي على الشوك والشجر والرطب واليابس فلا تبقي ولا تذر وفيه عن ابن عباس : مكتوب على جناح الجراد « إنّا نغلي الأسعار مع تدافق الأنهار » ( 1 ) . وقال بعض الخطباء : إن اللّه سبحانه خلق خلقا وسمّاها جرادا ، وألبسها أجلادا ، وجنّدها أجنادا ، وأدمجها إدماجا ، وكساها من الوشي ديباجا ، وجعل لها ذرية وأزواجا ، إذا أقبلت خلتها سحابا أو عجاجا ، وإذا أدبرت حسبتها قوافل وحجاجا ، مزخرفة المقاديم مزبرجة المآخير ، مزوقة الأطراف منقطعة الاخفاف ، منمنمة الحواشي منمّقة الغواشي ، ذات أردية مزعفرة وأكسية معصفرة وأخفية مخططة ، معتدلة قامتها مؤتلفة خلقتها مختلفة حليتها ، موصولة المفاصل مدرجة الحواصل ، تسعى وتحتال وتميس وتختال وتطوف وتجتال . فتبارك خالقها وتعالى رازقها ، أوسعها رزقا وأتقنها خلقا وفتق منها رتقا ، وشبح أعراقها وألجم أعناقها ، وطوقها أطواقها ، وقسم معائشها ، وأرزاقها ، تنظر شزرا من ورائها ، وترقب النازل من سمائها ، وتحرس الدائر من حولها ، سلاحها عتيد وبأسها شديد ومضرّتها تعديد ، تدبّ على ستّ وتطير ، فسبحان من خلقها خلقا عجيبا ، وجعل لها من كلّ ثمر وشجر نصيبا ، جعل لها إدبارا وإقبالا وطلبا واحتيالا ، حتى دبّت ودرجت وخرجت ودخلت ونزلت وعرجت ، مع المنظر الأنيق والعصب الدقيق والبدن
--> ( 1 ) لم أجده في معجم الأدباء .